في خريف عام 1942، كانت القوات الألمانية تقترب من العاصمة المصرية، القاهرة، بينما طبول الحرب العالمية الثانية تقرع أصوات العالم كله، وكان الطفل مجدي يعقوب، الذي أصبح فيما بعد بروفيسورا وأحد أهم جراحي القلب في العالم، في السابعة من عمره يرقب والده “حبيب” الطبيب الجراح وهو يترقب المذياع لمعرفة الأخبار بيأس، لأن النزاع يشمل العالم كله.

وفي هذه الأثناء حلت مأساة لا تزال حاضرة في زوايا ذاكرة الطبيب الشهير حتى الآن والتي عززت دوافع الطفل الصغير ليصبح طبيبا. قصفت القوات الجوية الألمانية مصنعا قرب منزله وتسببت في إصابة الكثير من الأشخاص.

يقول يعقوب: ” كان مصنعا ضخما. كانوا ينتجون كميات هائلة من القطن. بعضها كان يُنتَج من أجل الصناعة، وأغلبها كان يُنتَج لأجل شحنها للتصدير، ولكن هذا المصنع الضخم أحرق عن بكرة أبيه. حين جاء الألمان إلى العلمين، كادوا يحتلون مصر، وقد أخطأت قاذفاتهم المصنع وقصفته بعد أن اعتقدت أنه مصنع للسلاح تديره القوات البريطانية”.

مر على هذه الحادثة قرابة 80 عاما، لكن الطبيب الشهير لا يزال قادرا على وصف الأصوات المختلفة لمحركات طائرات سلاح الجو الألمانية والبريطانية، “الألمان اعتادوا إجراء طلعات جوية فوق منزلنا.. استطعنا التعرف على طائراتهم وكنا نصرخ لنختبئ”.

لا يزال “يعقوب” يذكر مشاركة والده في الأمر بفخر فقد كان يساعد كثيرا بينما هو يفكر في نفسه ويحدثها بأنه سيصبح طبيبا مثل أبيه الذي كان على الجبهة الأمامية ولم يكن يعود إلى المنزل لأيام طويلة، وحين عاد كان يعاني الإرهاق بشكل تام.

هذه الحكاية وعشرات من مثيلاتها التي تحتل جوانب بعيدة من قصة حياة الطبيب الرائد في عالم جراحة القلب تتضمنها دفتي كتاب يتضمن مذكراته وسيرته الذاتية عبر 87 عاما هي عمره، تطرحها دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة قريبا وقد اختص موقع “الحرة” بنشر الكثير من محتواها وتفاصيلها قبل طرحها للقراء في أنحاء العالم قريبا.

وفاة “يوجين”.. ولد يريد إثبات خطأ أبيه

لم تكن هذه القصة وحدها التي علقت في وعي مجدي يعقوب بالمرضى وشكلت لديه الرغبة في أن يكون طبيبا مثل والده، فقد سبقتها بعدة أعوام حادثة أخرى هزت كيان العائلة بأكملها.

توفيت “يوجين” الشقيقة الصغرى لوالد يعقوب، بسبب مرض بالقلب. يوجين كانت طالبة جامعية، عمرها 22 عاما، أصيبت بمرض القلب الروماتيزمي الناتج عن الحمى الروماتيزمية التي مثلت وباءً في مصر آنذاك وفي تلك الفترة، عام 1940 ، لم يكن هناك أي علاج فعال متاح للقضاء على هذا المرض.

أصيب والد يعقوب بحالة اكتئاب لعدم قدرته على علاج شقيقته الصغرى، ولفترة طويلة وجد صعوبة في مواصلة عمله في المستشفى وسيطر الحداد على العائلة.

منحت وفاة يوجين الطفل مجدي يعقوب هدفا داخليا رغم كونه في الخامسة من عمره، فقد عزم على أن يصبح جراحا للقلب ويجد علاجا للمرض الذي قتلها، وأخبر والده بذلك، لكن الأخير استنكر الأمر.

“والدي قال لي.. لا يمكنك أن تفعل ذلك لأنك غير منظم (مشتت) إلى حد كبير، لن تتمكن من أن تصبح جراح قلب”، كان الولد مُعجبا بأبيه وينظر إليه بينما يغادر إلى عمله يوميا وهو يقود سيارته الصغيرة لكنه صمم على إثبات خطأ والده، ويقول: “منذ تلك اللحظة فصاعدا، كنت أكثر إصرارا على تحقيق هدفي”. 

“بلبيس” بالقرب من روافد نهر النيل

ولد مجدي يعقوب، في 16 نوفمبر عام 1935، في مدينة بلبيس، البلدة التي كانت موقعا لحصن قديم في المملكة المصرية، وشيدت على ضفاف أحد روافد النيل في الشمال بعيدا عن أضواء وصخب القاهرة والمدن الكبرى.

الأب “حبيب” كان جراحا عاما يعمل لدى الحكومة وكان صاحب فكر، أما الأم “مادلين” فكانت ابنة قاض، صارمة تنظم حياة عائلتها وتصر على أن ينجح أبناؤها، تعزف البيانو بمجموعة محدودة من الألحان مثل سوناتا “مون لايت”، وترسم بالزيت أيضا.

مجدي هو الابن الثالث بين أربعة أبناء، مهجة الشقيقة الكبرى، يليها جمال، أو “جيمي”، كما تناديه الأسرة، وسامي أصغر من مجدي بأربع سنوات.

كانت الأسرة ضمن الطبقة الوسطى ونال الأبناء قدرا كبيرا من التعليم وتمتعوا بطموح كبير، وكان الأب دائم الحديث مع أولاده عن القيم وأنه لا يريد أن يترك لهم مالا وهو لا يمتلك الكثير منه على أي حال لكنه يريد أن يترك لهم تعليما جيدا ومعرفة لأنها لن تخذلهم أبدا وسيموت سعيدا إذا نالوا التعليم والمعرفة لأنهم سيكونون حينها قادرين على الاعتناء بأنفسهم.

مبكرا ومنذ السنوات الأولى بدا أن مجدي يعقوب مختلف بطريقة شكلت حياته كرجل وصاغت عمله كجراح وعالم كبير.

عَمَلُ الأب كطبيب جعل الأسرة تتنقل كثيرا في مصر خلال الثلاثينيات والأربعينيات، وكانت تلك التنقلات لها أثر كبير على حياة الطفل مجدي الذي وصفها بأنها فترة “غجرية” في حياته، فحينما كانت وزارة الصحة تريد جراحا، كانت العائلة بأكملها تنتقل. كان الأمر يحدث كل بضعة أعوام.

وبينما كان الوالدان يعملان على تأسيس منزل يعم عليه الحب والاستقرار من أجل أطفالهم، كانت تلك التنقلات الكثيرة تتسبب في حالة انقطاع واضطراب لديهم.

وحين كان عمره ثلاث سنوات، دخل “مجدي” مدرسة خاصة أميركية، لكنه لم يحب تلك التجربة، وبعد ذلك انضم إلى سلسلة من المدارس الحكومية، لكنه وجد التأقلم مع الأمر صعبا.

يقول يعقوب: “كانت المدارس جيدة إلى حد كبير في تلك الأيام، لكن الأمر كان مأساويا. كان ينتهي بي الأمر بإبرام صداقات جديدة وبعد ذلك أضطر إلى تغيير المدارس من جديد بسبب تغيير والدي للوظيفة”.

نمط الحياة بهذه الطريقة جعل إحساس الخوف يتسلل إلى نفس الطفل الصغير، فقد كان خائفا جدا كطفل كان الجميع ينظر إليه وكان يقول في نفسه: “يا رب إنهم يكرهونني”. لكنهم في الواقع لم يكونوا يكرهونه وإنما فقط لم يعرفوه، بحسب تعبيره.

في سنوات الدراسة الأولى بدا منطويا على ذاته، طفلا هادئا ودائما ما يجلس في نهاية الصف الدراسي، ولم يكن يبدو أنه يعير أساتذته انتباها، ورفض المشاركة في الدروس ووقتها علق الأساتذة على الأمر قائلين، وفق وصفه: “هذا الطفل معتل نفسيا. لا يسأل أي أسئلة ولا يتحدث، سيكون علينا أن نأخذه إلى طبيب نفسي”، وحين سألوه: “لماذا لا تتحدث؟” أجاب بأنه ليس لديه ما يقوله.

كان مجدي، الذي لم يكن يكن يتجاوز الرابعة وقتها، في نفس الصف الدراسي مع شقيقه “جيمي”، الذي يكبره بـ18 شهرا، كان الأخوان وفيين لبعضهما ومُقرَّبين إلى حد كبير.

اعتاد الشقيقان قضاء وقتهما معا في المدرسة وفي المنزل وفي أوقات اللعب وبعد ذلك دخلا كلية الطب في نفس الوقت وسافرا إلى بريطانيا في وقت لاحق أيضا. واعتبر مجدي أن “جيمي” كان الداعم الأول والسند له، ولم تمر عدة أشهر من انضمام مجدي إلى الصف الذي فيه شقيقه حتى بات الولد الصغير الذي اعتاد الجلوس في الصف الأخير ولا يقول أي شيء، الأبرز بين زملائه. أصيب الجميع بالذهول، البعض قال إنه كان يغش، ولكن سجله الأكاديمي كان يتحدث عن نفسه.

أنهار من العمليات الجراحية و”لا يحتمل منظر الدم”

تحمل مذكرات مجدي يعقوب قصصا مدهشة ومفارقات كثيرة حول سماته الشخصية، فالجراح الكبير، الذي شق مئات الصدور وأجرى عمليات قلب لا يمكن حصرها بدقة من فرط كثرتها، يخشى الدم منذ صغره ولم يزل حتى الآن.

قبل أن يصبح جراحا للقلب حصل مجدي على دعوة من قبل خاله، الذي تدرب مع والده، للانضمام إليه في غرفة العمليات. ذهب وتعقم، وخلال العملية الجراحية وبعد أن رأى الكثير من الدماء، سقط مغشيا عليه. كان الأمر مثار صدمة وسخرية من قبل خاله، الذي تهكم به، قائلا: “كيف تريد أن تصبح جراح قلب؟”.

يقول يعقوب: “لا أحتمل منظر الدم. قد تسألون.. كيف يمكن هذا وأنت قضيت عمرك منغمسا في الدماء؟ حين أجري العمليات الجراحية أكون على استيعاب كامل للأمر، وأشعر كذلك أنني أسيطر على الوضع بشكل كامل. إن تمزق شيء ما، لن يكون الأمر مشكلة بالنسبة لي. سأتمكن من السيطرة على الوضع. ولكن خارج غرفة العمليات، في الشارع.. إن رأيتُ حادثا، لا أستطيع السيطرة على الأمر”. 

الشاب الذي سقط مغشيا عليه حين رأى منظر الدماء يجري العمليات وهو يستمع إلى الموسيقى، خاصة الكلاسيكية، وقد حمل بين يديه، على مدار عقود، عشرات القلوب ينقلها بين يديه من مكان إلى آخر وهو يجري خلف سيف الوقت كي يصل بها في الموعد المحدد لجسد آخر يتوق للحياة قبل أن تنتهي صلاحيتها. 

رحلة لا تُنسى

واحدة من تلك القصص النادرة، كانت في بليموث جنوب غربي إنكلترا، عام 1983. في ذلك اليوم، عمل يعقوب في صمت لإصلاح قلب سيدة كانت تعاني نزيفا في المخ وصُنّفت على أنها ميتة إكلينيكا في نهاية اليوم السابق.

وبموافقتها على أن تكون واهبة أعضاء خلال حياتها، ساعدت تلك المرأة، على غير علم، في إنقاذ حياة شخص آخر وقدمت مساهمة كبيرة إلى مستقبل عمليات زراعة القلب، لكن ما حدث بعد ذلك يمكن تصنيفه على أنه فصل في رواية خيالية خطتها يد أديب بارع.

الوقت عامل مهم للغاية. لم يكن لدى “يعقوب” سوى أربع ساعات فقط لبدء عملية الاستئصال قبل أن يصبح قلب المتبرع عديم الفائدة وما يسمى بـ”فترة التروية”.

يقول يعقوب: “القلب أكثر حساسية من أي عضو آخر بالجسد. يمكنك أن تبرّد الكبد وتحتفظ به لمدة تصل إلى 12 ساعة قبل عملية الزراعة. لكن فيما يتعلق بالقلب، علينا أن نتحرك لتنفيذ عملية الزراعة بسرعة شديدة”.

جرى إبلاغ مستشفى “هارفيلد” بتوقع أن تهبط مروحية لديهم. كان لدى تلك المستشفى مهبط مروحيات صغير الحجم يحمل حرف “H” كبير الحجم باللون الأحمر على قاعدته، وراية مخروطية برتقالية اللون لتبيان الرياح مُعلّقة على عمود قريب، لكن وبشكل مفاجئ، اتخذت الأمور منحى آخر.

غادر يعقوب غرفة العمليات في “دريفورد” ونظر عبر النافذة وأصبح قلقا. كان الضباب يلف بليموث توجه إلى المروحية وهو يحمل العضو الذي جرى استئصاله في صندوق الثلج، وعقارب الساعة تتحرك سريعا والوقت ينفذ.

أربع ساعات، هي أقصى مدة يمكن أن تُجرى خلالها العملية لإنقاذ المريض المنتظِر في غرفة العمليات ليست بالمدة الطويلة وبحلول الساعة 4:31 في صباح ذلك اليوم، كانت كثافة الضباب تزداد بشكل كبير. صعد يعقوب وفريقه على متن المروحية، لكنهم جميعا كانوا يشعرون بالقلق. كان الأمر مخيفا إلى حد ما بشكل حقيقي.

كان قائد المروحية على علم بأن هناك أسلاك كهربائية قريبة، لكنه لم يكن قادرا على رؤيتها بسبب الضباب وحين وضع نفسه داخل مقصورة القيادة، كان مستوى الرؤية يتراجع أكثر فأكثر، لكنه كان مضطرا للإقلاع بالمروحية، وبحلول الساعة 4:45 فجرا، وبينما دوارات المروحية كانت لا تزال تعمل، قرر إلغاء الرحلة.

شعر “يعقوب” بإحساس خيبة الأمل والخذلان، قلقا بشأن المريض في هارفيلد والذي كان صدره على وشك أن يتعرض للشق استعدادا لعملية الزراعة. كان القلب بين يديه. ما الذي كان بإمكانه فعله حينها؟.

بدا وقتها أن الرأي الوحيد المتاح هو السفر عبر الطريق في رحلة تمتد لمسافة 360 كلم تقريبا، وعادة ما تستغرق أربع ساعات ونصف، ووقتها، لم يعد أمام يعقوب سوى ثلاث ساعات و15 دقيقة قبل أن يصبح القلب غير قابل للاستخدام.

كانت هناك سيارتا شرطة من منطقة “ديفون وكورنوال” تقفان إلى جانب مرآب سيارات المستشفى لأجل حالات الطوارئ. سرعتهما القصوى  تبلغ 212 كلم في الساعة، ما يعني أن سيارتي الشرطة كانتا قادرتين على الوصول بشكل أسرع إلى الوجهة المستهدفة ووجد سائقا سيارتي الشرطة نفسهما على وشك الانطلاق في رحلة غير مسبوقة. جرى توجيه يعقوب لاستقلال مؤخرة السيارة الأولى مع صندوق الثلج الذي يحمله، بينما استقل اثنان من فريقه السيارة الثانية.

سبق أن استأصل “يعقوب” قلوبا سابقة في رحلات عدة، قبل أن يتولى فريق طبي مختص تلك العملية بعد أن أصبحت عملية التبرع بالأعضاء أمرا اعتياديا في بريطانيا، لكنه لم ينس أبدا ما حدث في تلك الرحلة من بليموث.

يقول يعقوب: “كنت أشعر بالخوف.. لم أتمكن من أن أفتح فمي حتى.. كل ما أذكره هو القيادة عبر الضباب في المسارات الريفية والطرقات المتعرجة، ومن بعدها إجراء العملية الجراحية بمجرد الوصول إلى مستشفى هارفيلد”.

وصل يعقوب في الوقت المناسب، العضو المُستأصل لا يزال صالحا وقابلا للزراعة، وفي غرفة العمليات، كان رجل في الأربعينات من عمره جاهزا للخضوع للجراحة وكان الفريق الطبي مستعدا لبدء العملية، وصدرُ المريض مفتوحا.

يقول يعقوب: “حين تمر بتلك الحالة الذهنية، تحصل على كل الطاقة اللازمة لك من الأدرينالين والإندروفين الذي يندفع إلى جسدك. جسدك يستجمع قواه بنفسه وتشعر بأنك خارق لا تُهزم. ولكن بعد ذلك أعود إلى حالة الهدوء. قمت بتشغيل موسيقى باخ بينما كنت أتعقم استعدادا لجراحة طويلة تنتظرني”.

أجرى مجدي يعقوب الجراحة واستمرت خمس ساعات. وقد مثلت تلك العملية الجراحية خطوة أخرى في برنامج زراعة القلب الريادي في مستشفى هارفيلد، والذي مهد الطريق إلى الكثير من الإنجازات الطبية المهمة.

عرف عن مجدي يعقوب منذ زمن بعيد بأنه رجل مصري متواضع يراكم الخبرة والمعرفة بالطريقة التي يحاول فيها الرجال والنساء مراكمة الثروات. طبيب يقدّس فكرة المجتمع ويؤمن بالكفاح من أجل عالم أكثر عدلا لذلك كان سببا في مداواة قلوب آلاف المرضى بيديه، وملايين آخرين بما حققه من نتائج طبية وعلمية هائلة.

وثق سايمون بيرسون وفيونا جورمان مسيرة الرجل الملقب ب”ملك القلوب” في كتاب استغرق إعداده ثلاث سنوات ليرى النور، عبر شهادات حية من عشرات الأشخاص، بينهم يعقوب ذاته، الذي روى قصته على مدار 25 ساعة في 17 مقابلة، وكذلك أبنائه الثلاثة وفريقه الطبي وزملائه السابقين والحاليين وبعض مرضاه وعائلاتهم وشخصيات عامة ومسؤولين قدموا جانبا من مسيرة إنسانية ومهنية كبيرة لجراح القلب الذي أذهل الجميع طوال عقود طويلة بإسهاماته العلمية والطبية في بلدان كثيرة من كل قارات الأرض.

المصدر

أخبار

بعد عزلة كورونا.. كوريا الشمالية تسمح لمواطنيها المقيمين في الخارج بالعودة

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *