سلطت خلافات وانتقادات خرجت، قبل أيام، إلى العلن الضوء على البنية الداخلية لـ”الائتلاف السوري المعارض” والدور الذي يضطلع به منذ سنوات، وجاء ذلك قبل إعلان “الهيئة العامة” فيه، الثلاثاء، اختيار هادي البحرة رئيسا جديدا له.

ورغم أن اختيار البحرة جاء بموجب “آلية انتخاب” ، وفق ما ذ كرته الحسابات الرسمية لـ”الائتلاف”، رفض أعضاء سابقون وحاليون ومحللون سياسيون تسمية ما حصل بذلك، وقالوا إن عملية الاختيار بمثابة “تعيين” و”تبديل كراسي”.

وأثار الأعضاء، خلال الأيام الماضية، من بينهم نصر الحريري، وربا حبوش، قضية “التعيين المتفق عليه”، وانتقدوا مساعي “فئة متحكمة” لفرض اسم البحرة، وأنها اتجهت لاتخاذ “مسار ترهيب وتهديد”، وفق تعبيرهم. وحاول موقع “الحرة” التواصل مع الأخير للحصول على رد، إلا أنه لم يتلقى إجابة حتى ساعة إعداد هذا التقرير.

في غضون ذلك، نشر الرئيس الأسبق لـ”الائتلاف”، أحمد معاذ الخطيب، تعليقا عبر منصة “x” قال فيها: “أنعي إلى جميع السوريين: وفاة الائتلاف الذي كان معارضا”.

وأشار إلى وجود “تهديد مُشين لإجبار أعضائه على التصويت لقيادة مفروضة عليه”، معتبرا أن “حزب البعث الستاليني لم يستطع إركاع السوريين، ولن تستطيع عقلية فتافيته الوصاية عليه بالإجبار اليوم”.

وشارك الخطيب رسالة وجهها الرئيس السابق للائتلاف، نصر الحريري، ونقل فيها كلاما عن رئيس “الحكومة السورية المؤقتة”، عبد الرحمن مصطفى، إذ قال إنه سيتم انتخاب هادي البحرة رئيسا جديدا للائتلاف بالإجبار، وهو ما حصل بالفعل يوم الثلاثاء.  
وتأسس “الائتلاف الوطني السوري” في نوفمبر 2012، ويقدم نفسه كمظلة جامعة للمعارضة ضد النظام السوري، معترف بها من قبل المجتمع الدولي، وفي المسارات السياسية بجنيف، التي ترعاها الأمم المتحدة.

لكن هذا “المظلّة”، ومنذ تأسيسها لاقت انتقادات كثيرة من قبل سوريين و”شبهات فساد”، فيما اعتبرها آخرون أنها لم تقدم “خرقا سياسيا ملموسا” من شأنه أن يخدم قضية ملايين السوريين، المناهضين للنظام السوري.

وتلقى “الائتلاف” انتقادات واسعة تتعلق بـ”التداول غير الديمقراطي”، ولاسيما الجزئية المتعلقة باختيار اسم رئيسه، سواء الحالي البحرة أو الذي سبقه الحريري.

“تعيين سبقه ترهيب”

وكانت عضو “الائتلاف”، ربا حبوش، أول من سلط الضوء على “قضية التعيين” التي تفاعل معها الكثير من السوريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي رسالة داخلية وجهتها للأعضاء قبل أسبوع، انتقدت الآلية، وشبهتها بالانتخابات في مناطق سيطرة النظام السوري.

إذ تُجمع البطاقات الشخصية للمشاركين بالانتخابات من قبل شخص واحد، وينتخب عوضا عنهم، دون استشارة صاحب البطاقة.

وفي 23 أغسطس الماضي، وجهت حبوش رسالة أخرى حصل عليها موقع “الحرة”، طالبت فيها بتغيير آليات التصويت وعقد اجتماعات “الائتلاف” بطريقة علنية، في محاولة لبناء ثقة جديدة مع السوريين، وإصلاح الأخطاء والعثرات التي يعانيها.

لكن هذه الدعوات لم تلقى استجابة، ليتم إعلان اختيار هادي البحرة رئيسا جديدا، خلفا لسالم المسلط، يوم الثلاثاء. 

وتقول حبوش لموقع “الحرة”: “ما حصل هو تعيين وليس انتخابا. الأعضاء شاركوا بالترهيب، وهناك فئة متحكمة داخل الائتلاف تهددهم”.
 
ويتكون “الائتلاف” من خمسة مجالس، هي “مجلس تمثيل المحافظات” (تسعة ممثلين)، و”المجلس التركماني” (تسعة ممثلين)، و”المجلس الوطني الكردي” (11 ممثلًا)، و”مجلس القبائل والعشائر السورية” (خمسة ممثلين)، ومجالس محلية للشمال السوري (ستة ممثلين).

وهناك تياران سياسيان، هما “الوطني السوري” ويمثله عضوان أحدهما رئيس “هيئة التفاوض”، بدر جاموس، وتيار “المستقبل الوطني” ويمثله عضوان أيضا.
 بالإضافة إلى 15 شخصية مستقلة (منها ربا حبوش وهادي البحرة)، فضلا عن ممثلان عن “المنظمة الآثورية”، و3 ممثلين لـ”رابطة المستقلين الكرد”، وممثلان عن “جماعة الإخوان المسلمين”، و15 عضوا للتمثيل العسكري.

وتضيف حبوش: “المجالس المحلية ومجلس المحافظات والكتلة التركمانية كلهم في يد شخص واحد، وهو قادر على أن يستبدلهم في أي لحظة ويأتي بأعضاء آخرين، في حال رفضوا اختيار اسم الرئيس الجديد للائتلاف”.

وتتابع: “هادي البحرة له الكثير من المهام. كيف يجمع جميع السلطات في يده؟. كيف لرئيس لجنة دستورية يتحدث عن فصل السلطات أن يصبح رئيسا بالإجبار؟”.

وكان البحرة يشغل منصب الرئيس المشترك للجنة “الدستورية السورية”، وهو أيضا عضو في “هيئة التفاوض السورية”، والآن بات رئيسا جديدا لـ”الائتلاف السوري”، ومقره إسطنبول. 

ولم تتطرق حبوش إلى التفاصيل المتعلقة بـ”الفئة المتحكمة”، لكن الرئيس السابق، نصر الحريري، كان قد قال إنها مرتبطة برئيس “الحكومة السورية المؤقتة”، عبد الرحمن مصطفى، وأن الأخير “هدد بفرض الانتخابات واختيار اسم البحرة”.

ولم يصدر أي تعليق من جانب مصطفى أو البحرة، رغم أن قضية اختيار اسم الرئيس الجديد أثارت الكثير من الجدل والانتقادات داخل صفوف المعارضين السوريين.

ودفع ذلك إلى إعلان عضو ضمن “الائتلاف” استقالته، وهو الكاتب والناشط السياسي، حافظ قرقوط.

ويوضح قرقوط لموقع “الحرة” أن “الائتلاف أصبح عبئا على السوريين، ويمثل أفراد ويضمن مصالحهم، بعيدا عن الاكتراث بمصالح الشعب السوري وتطلعاته”.

ويقول قرقوط: “هيكليا بات أشبه بوباء داخلي، ولا يمكن أن ينهض دون إعادة النظر بهيكليته ونظامه الداخلي. هو بعيد عن الشارع والانضباط الداخلي، ولا يمثل كفاءات السوريين”.

“مشكلة بنيوية”

وهذه ليست المرة الأولى التي تتسلط فيها الأضواء على دور “الائتلاف السوري” والصراعات التي تشهدها بنيته الداخلية.

وفي أبريل 2022، شهدت أوساطه انقساما وارتداداتٍ سلبية اعتبرها مراقبون سوريون بأنها “إهانة لهم ولقضيتهم”، وذلك على وقع سلسلة إجراءات فصل وإقصاء تم الإعلان عنها بصورة “مفاجئة”، وتحت عنوان “خطوات الإصلاح”. 

ومن خلال سلسلة من الإجراءات، حينها، تم استبعاد 4 مكونات من الجسم المعارض للنظام السوري، وهي: حركة العمل الوطني، الكتلة الوطنية المؤسسة، كتلة الحراك الثوري، الحركة الكردية المستقلة.

بالإضافة إلى 14 عضوا، من بينهم شخصيات كانت قد انخرطت في المسار السياسي، منذ الإعلان الأول عن تأسيسه، قبل سنوات طويلة. 

وفي حين قال فيه رئيس الائتلاف السابق، سالم المسلط، بمؤتمر صحفي إن ما حصل هو “عملية إصلاح جاءت استجابة لمطالبات الشعب السوري، وضمن أجندة وطنية خالصة”، تحدثت شخصيات تم إقصائها في ذلك الوقت عن “محاولة انقلابية على تيار كان يريد الإصلاح وهو إصلاحي في الأصل”. 

ويرى الباحث السوري في “مركز جسور للدراسات”، وائل علوان، أن “ما حصل في الائتلاف خلال الأيام الماضية يعيد مرة أخرى حديث النخب السورية والصحافة والإعلام عن مشكلة بنيوية في المعارضة السورية”.

وأضاف: “من غير المقبول تعليل المشكلة وتبريرها بالضغوطات الخارجية أو العوامل الخارحية والظروف الإقليمية والدولية”.

ويوضح علوان لموقع “الحرة”: “هناك مشكلة حقيقة داخلية في بنية المعارضة وأهمها بنية الائتلاف”.

وقال: “القضية لا تتعلق بأشخاص أو شخصنة، وإنما ترتبط بأداء الائتلاف، وتعريفه لنفسه والتزامه بأدبيات النظام الداخلي ومبادئ المعارضة السورية التي ثارت من أجلها على نظام ديكتاتوري واستبدادي”.

ويقول الباحث السوري: “مشكلة الائتلاف أنه لا يعرف نفسه بشكل صحيح. هل هو هيئة رئاسية لقيادة المعارضة السورية؟ أم برلمان تشريعي؟ أو جسم تنفيذي للمعارضة؟ أو تتمة للحكومة المؤقتة؟”.

ويضيف علوان: “مطلوب منه ومعني بأن يحقق النموذج الذي يريده كل السوريين ليس فقط في مناطق المعارضة بل كل السوريين. السمعة السيئة والسخط والتذمر منه لأنه لم يستطع أن يحقق ذلك، وأن يكون مثالا مؤثرا في كل سوريا”.

“تبديل للكراسي”

ومن بين الانتقادات التي واجهها “الائتلاف الوطني السوري” في السنوات الماضية، تلك التي تشير إلى أن “قراره مرتهن للخارج وليس بيده”، بمعنى أنه لا يُقدم على اتخاذ أي قرار أو إجراء دون العودة إلى الدول الفاعلة فيه وبالملف السوري بشكل أساسي. 

وذلك ما أشار إليه رئيسه السابق، نصر الحريري، قاصدا تركيا، وكذلك الأمر بالنسبة للأعضاء الذين استقالوا منه.

ومع ذلك، تُحمّل حبوش المشكلة “للمتصدرين للمشهد داخل الائتلاف والفئة المتحكمة، وللدستوريين الذين ارتضوا عملية التعيين وليس الانتخاب”، مشيرةً إلى أنها قاطعت آلية “تعيين هادي البحرة كرئيس جديد”.

وتضيف المعارضة السورية: “اعتدنا على آلية تبديل الكراسي. أنس العبدة سيحل مكان البحرة كرئيسا مشتركا للجنة الدستورية أو رئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى”.

من جهته، يشير العضو المستقيل قرقوط إلى “كتلة داخل الائتلاف تتحكم بالمشهد”، وأنه “من الظلم تسمية ما حصل بالانتخابات، بل هي عملية تعيين”.

ويوضح الباحث علوان أن “الائتلاف السوري فشل في كل ما نادت به قوى المجتمع السوري منذ 2011، وهو أكبر كارثة”.

ويقول: “الائتلاف لن يستطع أن يمثل نداءات السوريين وأهداف الثورة السورية في سلوكه الداخلي. موضوع تبديل الكراسي مشين جدا لأنه ليس فقط شبيه مع الأسف بالأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية بل يأتي من جهة يفترض أنها ثائرة على هذه الأنظمة”.

وأضاف: “لا يمكن تبرير تبديل الطرابش والأداء السيء بالعوامل الخارجية”، وفق تعبير الباحث السوري، “لأن أداء الائتلاف وأعضائه وكتله المتنافسة والمتحاربة هو ما أوصل العوامل الداخلية والخارجية بأن تفعل بما فعلت به اليوم”. 

المصدر

أخبار

النظام السوري يعلن مقتل وإصابة عسكريين بـ”استهداف إسرائيلي”

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *